أ . عالية فريد >> حديث الشهر


المرأة السعودية و«مستجدات الوظيفة» هموم وتحديات….

13 أبريل 2004 - أ . عالية فريد

مع إزدياد مخرجات التعليم في الأعوام الأخيرة بمعدلات متصاعدة وإرتفاع نسبة البطالة، وتفاقم حجم العمالة في القطاع الخاص حسب ما أشارت إليه دراسة حكومية سعودية إن نسبتها وصلت إلى 6,2 مليون شخص بينهم حوالي خمسة ملايين من الوافدين، وبجانب المتغيرات التي يمر بها المجتمع وحاجة سوق العمل لإمتيازات ومتطلبات تغطي إقتصادها كانت هناك حاجة ماسة لضرورة العمل على توظيف السعوديين بما يساعد على تلبية هذه الإحتياجات في مختلف أوجه النشاط الإقتصادي، والسعي لإيجاد وظائف مهنية جديدة تواكب حركة التقدم والإذدهار التنموي المتنامي في البلاد لتساهم في رفع مستوى الطاقة الإستيعابية من القوى الوطنية، وتعمل بدورها على مشاركة المرأة مشاركة حقيقية تتم الإستفادة منها كمورد بشري وعنصر حيوي هام في عملية التنمية، وبالتالي تعمل على تطوير مستوى آدائها الوظيفي والمهني.فقبل سنوات قليلة كانت الوظائف المتاح للمرأة العمل بها محدودة ومحصورة في أطر ضيقة مثل الخياطة والتدريس والتطبيب فقط، وبغض النظر عن طبيعة الظروف التقليدية التي كان يعيشها الناس وعن طبيعة دعم الأسرة وقابلية المجتمع ونظرته المتناقظة تجاه المرأة، إلا أن الوضع اليوم بات مختلفا تماما، وذلك لأن نظرة المرأة تجاه نفسها قد تغيرت بتغيربعض المفاهيم الموروثة السائدة ضمن المتغيرات العالمية العامة والتغيرات الثقافية والإجتماعية المتلاحقة التي تحوط بالمنطقة، فهي ليست منفصلة عما يحدث من حولها تعيش ثورة المعلومات و تواجه تحديات العولمة بكل آلياتها ووسائلها مثلها مثل الرجل تماما، وإضافة إلى ذلك فالمرأة اليوم تختلف عما كانت عليه بالأمس في علمها وتطلعها وفي تفكيرها وطموحها، فهي مثقفة ومتعلمة ومتفتحة واعية تشاهد القنوات الفضائية، تسافر وتحضر المهرجانات الثقافية وتتلمس عن قرب ماوصلت إليه مثيلتها في الدول الغربية والعربية، وما حصلت عليه من مكتسبات نتيجة لما حققته من إنجازات في سبيل رقي وتقدم مجتمعاتها.

كل ذلك جعلها تخطو خطوة جبارة نحو الإنطلاق وكسر القيود الإجتماعية التي كانت تكبلها وتعيق حركتها تجاه دفع عجلة التنمية، فمنذ التسعينات إنضمت إلى الدخول في مجال القوى العاملة وفي الوظائف الحكومية رفيعة المستوى، وهاهي تبادر بمعدلات متزايدة نحو الإلتحاق بقائمة المستجد في التخصصات الجامعية والوظائف المهنية الحديثة التي حققت في بعضها نجاحا ملحوظا وقطعت فيها شوطا كبيرا وإندمجت في البعض الآخر مثل التمريض والهندسة والديكور، وطبيب مساعد وموظفة مختبر، ومسؤولة في بنك ومندوبة تسويق، وموظفة إستقبال في الفنادق والمستشفيات والشركات، ومديرة شركة ومؤسسة عقارية، تاجرة وسيدة أعمال ومسؤولة مبيعات، وفي الإخراج التلفزيزني كإعلامية ومذيعة وصحفية ماشابه ذلك ..

وفي إطار تطبيق برامج التطوير الإقتصادي الذي تسعى إليه خطط التنمية مؤخرا والعمل على سعودة الوظائف، فقد نصت الخطة السعودية الحالية للتنمية لعام « 2000-2004م» على تأمين وظائف لـ (817) ألف سعودي بينهم (782) ألفا في القطاع الخاص، ونظرا للتطلعات المرسومة للمسيرة التنموية في البلاد رأت زيادة فرص العمل للمرأة السعودية بما لايتعارض مع الشريعة الإسلامية، وللتوصل إلى ذلك تطمح إلى إستحداث (311) ألف وظيفة جديدة وسعودة (471) ألف وظيفة أخرى، وهذا يعتبر منعطفا جديدا في مسيرة التنمية السعودية، مما يتيح المجال للمرأة في إثبات دورها وتعزيز موقعها في كافة ميادين العمل، متخطية في ذلك حالة العزلة التي كانت تعيشها بعيدة عن هذه الوظائف، والتي كانت محضورة عليها لفترات طويلة بحجة الإختلاط والتعامل المباشر مع الرجل والأعراف والتقاليد والخطاب الديني المتحجر وسلطة الرجل كل ذلك حد من تقدمها وأعاق مسيرتها.

أما اليوم وبعد إن شاركت بفاعلية في الحياة العامة أثبتت فيها جدارتها وكفاءتها، أصبح وجودها في هذه الوظائف ضروريا وأخذ يلاقي قبولا إجتماعيا واضحا، وبات إجتماع الرجل والمرأة في عملا واحدا واقعا موجودا شئنا ذلك أم أبينا، والمجتمع سوف يشهد حياة جديدة ضمن هذا المتغير فالعزلة هي الخطأ والإختلاط أمر طبيعي، ويكفي ما عانته المرأة طيلة قرون طويلة من تهميش إجتماعي عزلها عن المجتمع وشل حركتها عن الإبداع والعمل، أنا واثقة بأن مجتمعنا وصل إلى مرحلة من الوعي يستطيع أن يتأقلم فيها ويوازن نفسه مع كل جديد ولن يشهد إضطرابات أو هزات ما عاصرتها مجتمعات أخرى، المهم كيف يواكب التطور ويتعايش معه بأقل نسبة من الخسائر.

وهذا يحتاج إلى أمرين ضروريين:

1- الإهتمام بالتربية والتنشئة الأسرية السليمة، والعمل على تأمين الرعاية الكاملة للفتاة في المحيط التربوي الصحيح، وإشباع حاجاتها المادية والمعنوية والعاطفية، وتنمية أخلاقها وتهذيب سلوكها وآدابها، ليمنحها ذلك القدرة على مواجهة الحياة وتحدياتها وظروفها الصعبة، ويجعلها متسلحة بقيمها الدينية وأخلاقها تجاه المغريات.

2- توعية المرأة وتثقيفها بالثقافة الإسلامية والدينية الصحيحية، فالثقافة الواعية تجعل المرأة تتفاعل مع قيمها ومبادئها وأخلاقها الإسلامية، فتدفعها نحو الإلتزام بالواجبات الشرعية محافظة على عفتها وحجابها متجنبة الخطأ وما حرمه الله سبحانه من قول أو فعل ..

ومع ذلك فعزيمة الفتاة السعودية وإصرارها جعلها تخوض هذه المجالات وهي متسلحة بإيمانها وثوابتها الدينية محافظة على نفسها وهويتها كمسلمة، فالدين الإسلامي إضافة إلى دورها الرئيسي كأم ومربية لايمنعها من المشاركة ولا يحجب دورها في العمل والتنمية الشاملة، فهي مسؤولة كما الرجل مسؤول وقد منحها حق الرعاية والحماية الإجتماعية وأجاز لها مشروعية العمل الإقتصادي وأعطاها حق المشاركة الإجتماعية والسياسية في مختلف الأنشطة والوظائف من دون أي تمييز بينها وبين الرجل.

ولأن إدارة الحياة وإعمار الأرض، وبناء المجتمع مسؤولية مشتركة بينهما فوقاية لها وحفاظا عليها جعل لها ضوابط تحميها من الإنحراف والوقوع في الخطأ تنطلق من خلالها بوعي في المشاركة بجانب أخيها الرجل.

وأهمها:

• أن لايؤثر خروجها من المنزل على زوجها وتربية أبناءها.
• أن تحافظ على حجابها وعفتها وحشمتها.
• أن لايكون الإختلاط مع الرجل مؤديا إلى الفاحشة أو إثارة الفتنة، كل ذلك تكريما لها.

وشيئا فشيئا بدأت تتشكل الحركة الوظيفية وتتوسع في دائرتها وتنمو تدريجيا حتى أصبحت المرأة تحوز على فرص العمل فيها أكثر من الرجل.

دوافع خروج المرأة للعمل:

• تحقيق الإستقلالية ا لشخصية وإثبات الذات، ونفي التبعية للرجل .

• المشاركة في عملية التنمية الإجتماعية والإقتصادية، فالمرأة السعودية تمثل كيانا وطاقة منتجة لابد وأن تساهم بدرجة أو بأخرى في خطط التنمية المختلفة خاصة مع التطور في أعداد السكان وإرتفاع نسبة الإناث التي وصلت إلى 44% من مجموع السكان ونقص العمالة الوطنية أدى إلى إرتفاع نسبة القوى العاملة الأجنبية، ففي إغفال دور المواطنة السعودية تعطيل لحركة المجتمع .

• إرتفاع معدل نسبة البطالة في المجتمع السعودي، فقد أفادت إحصاءات غير رسمية أن نسبة البطالة تبلغ 2%0 من السعوديين الذين بلغو سن العمل، بينما لاتقل أكثر من 5.5% من أصل حوالي 4.7 مليون من السعوديات. وأشارت دراسة حكومية سعودية إلى الإهتمام بقدرات المواطن السعودي وأن تحظى بالأولوية في خطط التنمية فالسوق السعودية تحتضن الملايين من فرص العمل التي يشغلها وافدون تتجاوز نسبة تحويلاتهم إلى بلدانهم 68% من إجمالي الإنفاق الحكومي حسب ماورد في دراسة نشرتها جريدة الحياة، وهذا يؤدي إلى مشاكل إجتماعية واقتصادية المجتمع في غنى عنها.

• الوضع الإقتصادي السيئ، فمطالب الحياة الإستهلاكية بدأت تزداد يوما بعد يوم، وأخذت تفرض واقعا جديدا على الأسرة في كل شيئ في المأكل والمشرب والمسكن والتعليم و..الخ، ومن الصعب أن يستمر مستوى دخل الأسرة على عاتق الزوج فقط، وكي لايثقل ويكون عرضة للضغوط النفسية ومشاكل الحياة، كان لابد من مشاركة المرأة لتحقيق التعاون مع زوجها.

• إعالة أسر الزوج ومساعدتهم بالذات إذا كان الزوج عاجزا عن العمل، أو راتبه متدنيا لايفي بالغرض.

• إحساس المرأة بقيمة المال، فهي بطبيعتها مسرفة وتصرف المال بلاحساب عكس إذا كانت موظفة سوف تستشعر أهمية ذلك.

تحديات تقف في الطريق
لازالت هناك عوائق تحد من آداء المرأة لدورها ومبادرتها تجاه العمل أهم هذه العوائق:

1- العادات والتقاليد والأعراف التي لازالت مغروسة في أذهان البعض من الناس و قد تؤدي إلى الخوف والريبة والتشكيك في إلتحاق الفتاة وأهليتها بالوظيفة المختلطة، وللأسف فإن ذلك يبين مواقع الخلل والضعف في تربيتنا، وأن مجتمعنا أقل من بقية المجتمعات في حال لم تتغير فيه هذه الأعراف والعادات لتتماشى مع متطلبات العصر الجديدة، وبالتالي تضيع الفرصة على الفتاة للإلتحاق بالعمل.

2- الموروثات الثقافية الناتجة من التنشئة الإجتماعية وحصول الرجل على إمتيازات كانت تستبعد عنها المرأة مما يثير نظرة المجتمع الدونية ضدها في أحيان كثيرة، حتى في محيط العمل يبقى الرجل يفرض وصايته عليها في أحيان كثيرة وإن كانت هي في أعلى رتبة منه أو أقدر منه كفاءة وخبرة.

3- المناهج الدراسية التي كانت ولا تزال تكرس الأدوار التقليدية للمرأة، فلا بد من إعادة النظر حول فرص العمل المختلفة وإيجاد تشريعات جديدة تتوافق مع طبيعة العمل وإضافتها إلى هذه المناهج.

4- نقص التأهيل والتقنية في المعاهد والمراكز التدريبية النسائية فمخرجاتها في إذياد مستمر، و لكن بما لايتناسب مع حجم السوق ومتطلبات العمل.

5- حاجة المجتمع الماسة لمراكز تأهيل تعمل على رفع مستوى الآداء الفني والمهني والتقني للمرأة العاملة.

6- حاجة العاملة إلى التدريب الوظيفي والمهاراتي من المهمات الرئيسية التي أو أكد عليها كثيرا، فهذا يمنحها القدرة على التعامل والتكيف مع دورها الجديد، ويجعلها مرنة تمتلك حسن التصرف في ما يواجهها من مواقف، شجاعة قوية واثقة من نفسها في مواجهة الآخرين.

7- العاملة بحاجة إلى تعلم فن المهارات المهنية والسلوكية في تنمية الشخصية في الإنتاج والعطاء وتحقيق النجاح، وفي المشاركة والتفاهم والإحترام والإنصات وحسن الإستماع، متخطية في ذلك كافة العوائق النفسية والإجتماعية كضعف الثقة بالنفس, والخوف من الفشل، ويعلمها ذلك كيف تكون متميزة في إخلاصها وإبداعها وتفكيرها لتستشعر قيمة كل قرش تستلمه.

 

أمور لابد منها
«مايجب أن تعيه المرأة العاملة أو الموظفة الجديدة»

هناك أموريجب أن تعيها المرأة لضمان حقها وأمنها الوظيفي أهمها:

1- الثقافة الحقوقية الخاصة بالعمل الوظيفي، فلأحيان كثيرة بسبب العلاقات والمحسوبيات قد تسير إتفاقية العمل بين الطرفين «الموظف وجهة العمل» بشكل عفوي وتقليدي وربما ترتكز على قوة الطرف المسؤول أوجهة العمل، وبالتالي تتجاهل حقوق العامل وقد تضيع أو يسوف صاحب العمل لنفسه إستغلال الطرف الآخر بحكم حاجته للوظيفة في ظل الفرص القليلة فيتم إنتهازه بدون لايدري، لذلك الثقافة الحقوقية ضرورية للموظفة وذلك بالإطلاع على قانون العمل والعمال، وأن تعي على أي أساس يقيم عملها أو توقع عقد أو تعطى إنذار أو فصل تعسفي، وفي أي موقع تحصل على حوافز أو مكافأت، وفي بعض الأحيان هناك بعض المؤسسات التي تغيب عنها مثل هذه القوانين والأنظمة، وهنا قد تضيع الحقوق لكلا الطرفين والمثل الشائع يقول «القانون لايحمي المغفلين».

وإضافة إلى ذلك على المرأة أن تعي حقها كعاملة إذا كانت مرضعا ، وحقها في الحصول على إجازة مدفوعة الأجر لحين يتهيأ الطفل للإنفصال عن أمه ، وتأمين مستلزماته من الرعاية .

2- تضمين المرأة في الخطة الخمسية للتنمية الإقتصادية والإجتماعية للدولة بشكل رئيسي، لتحقيق توازن بين الجنسين من أجل تحقيق تنمية بشرية شاملة وتنفذ في مختلف القطاعات.

3- تدعيم عمل المرأة عن طريق وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، والعمل على إنشاء قاعدة بيانات حول واقع المرأة في سوق العمل وتوعيتها بحقوقها وواجباتها.

4- على الجهة المسؤولة أن توفر عقود عمل واضحة، وإن كانت هناك إستثناءات خاصة بالعمل يتم الإتفاق عليها برضى الطرفين.

5- أن تتعرف الموظفة على القنوات الخاصة بالشكاوي، والجهة المختصة التي لها دورفي الإشراف والرقابة على موظفي الدولة وتقويم سلوكهم وممارساتهم الإدارية، فإلى من تلجأ وإلى من ترفع تقريرها في حال حدوث مشكلة أو إلتباس ما في العمل.

6- القراءة ثم القراءة ثم القراءة حول مايرتبط بها كموظفة، وما يتعلق بوظيفتها لتمتلك ثقافة المهنة التي تعمل بها، فالأسواق اليوم مليئة بالكتب والدراسات الخاصة بالتنمية البشرية، ومن خلالها تتوسع مداركها تجاه الوظيفة وكل متعلقاتها.

7- الإستفادة من تجارب الأخريات اللاتي سبقوها في العمل الوظيفي ففي التجارب إفادة وعلم مستحدث، وذلك يجعلها تتعلم كيف تفكر وكيف تقرر وكيف تنمي مهاراتها وقدراتها .

وأخيرا:

فلتعلمي عزيزتي أن الوظيفة ليست موردا للكسب والربح فقط ، فهي أمانة شرعية ومسؤولية وطنية على عاتق الموظف أيا كان رجلا أو إمرأة وأي خيانة أو تقصير محاسب عليها أمام الله سبحانه، وذلك لأنه يشكل إضرارا بمصلحة الوطن والمجتمع فضعي الله رقيبا عليك وكوني موقع ثقة الجميع.

 

أضف تعليقاً