أ . عالية فريد >> حديث الشهر


وقفوهم أنهم مسؤولون

27 فبراير 2005 - أ . عالية فريد

مع أواخر برودة الشتاء تزداد سخونة الحماس والتفاعل مع إزدياد الحملات الدعائية والإعلامية للإنتخابات، فمظاهر نابضة بالحياة والحركة والوعي أخذت تسري في كيان المجتمع االذي طالما تمنى معايشتها من زمان، وأجواء إيجابية وحميمة تسيطر على شبكة العلاقات الإجتماعية يملؤها الحب والتفاؤل والنجاح. وتعيش المنطقة هذه الأيام مرحلة تاريخية جديدة، تعتبر من أهم المراحل المتقدمة والمهمة في حياتها، حيث تشهد أجواء جميلة لم تعهدها من قبل من المشاركة في الإنتخابات الخاصة بالترشيح للمجالس البلدية، والتي تعد مرحلة حيوية وحاسمة لمشاركة المواطن في صنع القرار الذي يهتم بمستقبله وبإمور حياته حتى وإن كانت مشاركة جزئية، إلا أنها تعتبر خطوة رائدة تتقدمها خطوات على طريق الإصلاح السياسي في المملكة، فاليوم تشهد مناطقنا مشاركة في التنمية المحلية – الخدمية -‏ وغدا ستشهد مشاركة في الترشيح للمجالس المناطقية وبعدها مشاركة أوسع في مجلس الشورى إنشاء الله.

والإنتخابات سمة حضارية متقدمة، والترشيح للمجالس البلدية مسؤولية دينية ووطنية وأخلاقية تحتم على صاحبها أن يكون متفهما لمطالب الناس وحاجاتهم، وأن يكون قادرا على حل مشاكلهم وقضاياهم، فالمرشح مسؤول أمام الله وأمام المجتمع عن العمل والرقي بمستوى الخدمات المعيشية والحياتية للناس وفي جميع ما يرتبط بخدمتهم وإعانتهم وحل مشاكلهم الخدمية، لذلك كثيرا ما تشترط الأمانة والكفاءة «الأهلية» العلمية والثقافية والإجتماعية والقدرة على تحمل المسؤولية في أي عملية إنتخابية نزيهة، وعلى أثرها تمنح الثقة التي تعد أساس ومبدأ من مبادئ التعامل لأي مجتمع متحضر ومتمدن يسعى للتطوير والتنمية، فهي أكبر عامل مؤثر في عملية الإختيار والتزكية ودعم المرشح المسؤول، وعليه فالإنتخاب مسؤولية مشتركة ليس على المرشح فقط وإنما على الناخب أيضا في أن يكون يقظا واعيا حرا في إختياره للمرشح الكفؤ، وأن لا يقدم أحدا في أي موقع أو مسؤولية قبل أن يجربه ويختبر صدقه وإخلاصه وكفاءته، وأن لا يعطيه من الثقة والدور إلا بقدر ما يعلم من خبرته وتجاربه وما يحسنه ويقدر عليه، بعيدا عن أية مصالح شخصية أو مكاسب مادية تحتسب فـ «قيمة كل إمرء مايحسنه».

كاتبة وصحفية

كما يتوجب على كل مواطن واع يشارك في عملية الترشيح أن يدرك بأن هناك صنفين من الناس يمكن التعامل معهم على مستوى تحقيق العمل، فهناك المتحدثين النظريين الذين يحسنون تزويق الكلام وزخرفته، وهناك أصحاب التجارب الذين يجيدون قراءة الواقع وتحليله والإستفادة منه، وهؤلاء أقدر وأجدر بأية مسؤولية تناط إليهم أو يكلفون بها لأنهم في موقع الأمانة وإحترام ما يسدى إليهم حينها يكون الإختيار سليما وعلى بينة من الأمر.

وإنني لأرى بوادر أمل وخير فيما تحقق على مستوى الترشيح والإنتخاب في العاصمة الرياض حيث مرت المنطقة بعرس بهيج زان أبناؤها وهم يمارسون العملية الإنتخابية بكل هدوء ونظام ينم عن الوعي والفهم لدى الكثير من أفرادها في متطلبات هذه المرحلة، -‏ بغض النظر عن السلبيات والأخطاء الصغيرة -‏ التي يمكن تجاوزها مع متغيرات قادمة. ومع ذلك فالعملية في بدايتها تعد تجربة على المجتمع أن يخوضها، فالتجارب عادة تصنع الرجال.

وهانحن اليوم نعيش العرس نفسه في ربوع المنطقة الشرقية حيث الغبطة والتفاؤل يملأ النفوس ويسقي الأرض العطشى حتى لو كان قطرة من غيث علها تطوي صفحة الماضي، فبالرغم من نصاعتها إلا أنها لم تخلو من التلوث في الإستغلال ونفوذ المصالح الشخصية، وفي التلاعب والإحتيال على القوانين وفي الرشوة التي أخذت تسري في الأجهزة الخدمية كما تسري النارفي الهشيم، فحتى تسهل خدمة أو تقدم معاملة أو تحصل على رخصة لابد من دهن السير والشعار- لايخدم بخيل -‏ وهنا تقع الكارثة حينما يتحول الإرتشاء إلى سلوك فردي أ وفساد في النظام الإدراي لهذه القطاعات وكل ذلك على حساب الإنتهاك العام لمصالح الوطن وللمواطن المسكين الذي لاحول له ولا قوة.

لذلك فإن بادرة الترشيح للمجلس البلدي كانت رائعة لأنها ستحد من عمليات الفساد ومن ثم ستقوم بدور بدور الرقابة المالية والإدارية وستحد من عمليات الإبتزاز حسب ماورد في لائحة القوانين الخاصة بالمجلس، مما يتوجب على كل مواطن أن لا يعطي الثقة والدور إلا بقدر ما يعلم من خبرة المرشح وتجاربه وما يحسنه من عمل بغض النظر عن نجاح أوفشل التجربة، المهم أن لايحرم المواطن نفسه من فرصة إكتساب خبرات هذه التجربة والعيش مع تحولات المجتمع وتغيراته حتى يأخذ العبر ويستلهم الدروس التي تخدم مساراته الصحيحة في المستقبل.

لماذا منعت المرأة من المشاركة؟

وحول إقصاء المرأة وعدم مشاركتها في العملية الإنتخابية، رغم أهليتها وكفائتها وقدرتها على المشاركة فإن ذلك مناط بأصحاب القرار والإرادة السياسية، فحسب ماورد ومالاح في الأفق أن المانع لم يكن شرعيا فالدين الإسلامي العظيم لايمنع مشاركة المرأة فهي المجتمع كله وهي أصل الوجود للرجل وهي شريكته في صناعة الحياة ودورها حساس ومؤثر في مسيرة التنمية، ولكن عفيت لأسباب إجرائية ومدنية ولكون التجربة وليدة على أمل المشاركة في الدورات القادمة حسب ما أثارته وسائل الإعلام المحلية، ففي المادة 14 من نظام البلديات والقرى الصادر عام 1397هـ صدرت اللائحة التنفيذية محددة الشروط بالمادة الثالثة التي تنص على «كل مواطن يتمتع بحق الإنتخاب إذا توافرت الشروط المذكورة.. ولم يرد في الشروط أن المواطن المقصود هو من الذكور فقط، فلا مانع من مشاركة المرأة مادام قد جاء القرار مطلقا، لكن المسؤولين عن تنظيم الإنتخاب إرتأوا عدم مشاركة المرأة إما لأسباب إجتماعية أو إجرائية لم يستعد لها بعد» وهذا يؤكد ما قاله وزير الخارجية سعود الفيصل إن الإصلاح الداخلي في المملكة سيتم بالتدريج والذي صرح به أكثر من مرة، ويؤكد في الوقت نفسه ماقاله سمو ولي العهد الأمير عبدالله بن عبد العزيز -‏ حفظه الله – في آخر جلسة خاصة مع سموه بعد لقاء الحوار الوطني الرابع في قصره بـ«لرياض»عندما وجه له السؤال عن عدم مشاركة المرأة في العملية الإنتخابية للمجالس البلدية – أكد على أن المرأة لم تنسى فهي الأم والأخت والزوجة وهي شريكة الرجل في صناعة الحياة، وقد أقر لها بالمشاركة لكن سكت عنه لصالحها ولصالح الوطن لا كن كل شيئ سيتم بالتدريج -، وهذا ما يجعلني أتفائل وما يعزز تفاؤلي هو ما نمتلكه نحن من رصيد نسائي كبير نعتز به على مستوى وطننا الغالي، فالمجتمع السعودي اليوم يدخر بالطاقات والكفاءات النسائية المؤهلة في مختلف المجالات، حتى فيما يرتبط بالجوانب الخدمية ويسهم في تطوير البنى التحتية كتحسين الشوارع، وتطوير الحدائق وكل ما يتعلق بالتطوير العمراني فلدينا نخبة من السيدات الماهرات في تخصصاتهن الهندسية والعمرانية وفي فن الديكور والإقتصاد….الخ، ولو أعطيت المجال لكانت فرصة الإبداع أجل وأكبر نحو الإرتقاء بمستوى الآداء والخدمات التي من شأنها رفعة وتقدم هدا الوطن.

وعلى الرغم من عدم مشاركة المرأة في العملية الإنتخابية إلا أن ذلك لم يقلل من مبادرتها وحماسها في مواكبة الحدث، وتأثيرها فيه بشكل مباشر وغير مباشر لاسيما على المحيطين بها خاصة الأزواج والأبناء والأقارب والصديقات، وعلنا نلحظ إستعانة عدد من المرشحين بالنساء في إعداد برامجهم الإنتخابية، وفي قيادة الحملات الدعائية للحصول على الدعم والتأييد وفي التواصل مع الصحفيين والإعلاميين، وفي زيارة المرشحين والتواصل معهم إستعدادا للمرحلة القادمة علها تنال نصيبا أحسن.

و كل ماأرجو الإهتمام به في هذه القفزة النوعية:

1- الجدية السياسية -‏ لأصحاب القرار- ومهمتهم في إنجاح التجربة وفي تطويرها وذلك لا يتم إلا بمنح صلاحيات واسعة ومفتوحة يستطيعون من خلالها تحقيق النجاحات المشجعة على التثمين الإيجابي للتجربة.

2- إذا كانت الصلاحيات محدودة فسوف يتم الإعتماد على الجهود الفردية للأعضاء، بينما مع وجود مساحة من الحرية يتحقق الإبداع ويتم العمل ضمن مؤسسة تعد من مؤسسات المجتمع المدني في الرقابة والمحاسبة، وفي التعديل والتطوير والرقي.

3- الدعم والمساندة من المواطنين جميعا في تهيئة أجواء المشاركة فيما بينهم، وأهمية العمل على توعية الآخرين، والحرص الشديد على ضرورة تعلم وإكتساب ثقافة الإنتخاب، فبالرغم مما شهدته المنطقة الشرقية من حركة نشطة وإهتمام على مستوى الناخبين، والتنافس الكبير بين المرشحين والذي حقق أعلى نسبة في محافظة -‏ القطيف -‏ وصلت إلى 46909 ناخب وأغلقت ثلاثة مراكز إنتخابية في المحافظة أبوابها قبل نهاية المدة المحددة كل ذلك ينم عن الثقافة والوعي والإنفتاح الإيجابي، إلا أن ذلك لايمنع من تعليم المجتمع المفردات الجديدة التي أوجدتها ثقافة الإنتخاب وما سينتج عنها، ومشاركة وسائل الإعلام في إيضاحها للناس مثل -‏ المجلس البلدي، القيد الإنتخابي، البرنامج الإنتخابي، المشاركة في صنع القرار، التحالفات، مرشح، ناخب، برامج المرشحين و… الخ، خاصة للمرأة عليها بالإطلاع والمشاركة لتشكيل رؤية مستقبلية واضحة.

4- مهما كانت نتائج التجربة يجب أن تدفعنا نحو التلاحم والتماسك والحفاظ على قوة المجتمع، ولنتجنب الهمز واللمز والطعن وإثارة النعرات، والتحيز والعصبية ف«المجتمع القوي خير وأحب عندالله من المجتمع الضعيف».

أخيرا: المجتمع السعودي ليس أقل من بقية المجتمعات فهو جدير بكل إستحقاق ومؤهل أن يكون في مصاف الدول المتقدمة لما يمتلكه من وعي ولما حقق من إنجازات ومكتسبات على أرض الواقع، وله الحق في أن يمارس دوره ويقررمصيره، ويدير شؤونه المحلية. مع تمنياتي بالتوفيق للجميع..

أضف تعليقاً