أ . عالية فريد >> مشاركات


المرأة ؛ مالئة الدنيا وشاغلة الفقهاء (2 – 2)

11 يونيو 2010 - جريدة الرياض

المرأة ؛ مالئة الدنيا وشاغلة الفقهاء (2 – 2)

 

د. حسناء عبدالعزيز القنيـعيـر

في البدء أشكر كل الذين تفاعلوا مع الجزء الأول من هذا المقال ، لاسيما الأفاضل من المشايخ والأكاديميين الذين اتصلوا بي مثنين على تناولي للفتوى بتفكيك الأدلة الواردة فيها , كما أشكر قراء “الرياض” الذين عقبوا عليه ، فلأول مرة يحظى مقال لي بشبه إجماع من القراء ، مما يدل على أن تلك الفتوى يأباها كل من لديه ذرة من عقل وشيء من دين وكرامة.

لايختلف اثنان في أن الخطاب الخاص بالمرأة خطاب مأزوم ، وتكمن أزمته في افتقارنا إلى مؤسسات قادرة على اجتراح حلول لمشكلاتها الخاصة والأسرية والمجتمعية ، حدّ الاستهانة بمشاعرها وكرامتها وحاجتها ، كما تكمن في دوران المجتمع كله في حلقة مفرغة ، فكل مقاربة لموضوعها تنتهي إلى لاشيء ؛ لأنها تواجَه بردات فعل لا بدراسات ممنهجة تغوص في جذور القضية ، فبطالة المرأة وقيادة السيارة وزواج الصغيرات والبيع في المحلات النسائية والرياضة في مدارس البنات ، أصبحت مجالاً خصباً لفتاوى الفقهاء ، وكأن أمورنا كلها على ما يرام ولم يبق إلا قضايا المرأة ، وددت وغيري لو سمعنا فتوى تحذر من الفساد والاستغلال ونهب المال العام ، وخيانة الأمانة وغير ذلك مما أزكمت رائحته أنوفنا مؤخراً ، لكن يبدو أن المرأة تحتل أعلى درجات الوعي لدى هؤلاء.

إن المتاجرة بالفتيات وتسليعهن سببه هذا التراخي في تقنين تزويجهن ، وعدم محاسبة من يجبرهن على الزواج من الكهول المعدّدين انسجاما مع تلك الأصوات النشاز ، إن ذنب هؤلاء الفتيات في رقاب كل الذين يحولون دون سن قوانين تنهي هذه المهزلة.

إن قضايا المرأة شائكة وينطوي بعضها على مخاطر جمة ، وقد تركتها الدولة للمجتمع ليقول كلمته فيها ، وليس كل المجتمع مؤهلاً لذلك ، بل إن أصوات الشجب والتحريم تحول دون أن يكون لدى كثير من أفراده قناعة ورأي حرّ ورغبة صادقة في إنهاء هذه القضايا ، ومع كل تلك الإشكالات ما زالت الدولة لم تأخذ قراراً حاسماً بشأنها ، مما يدعو إلى كثير من التساؤل عن الجدية في طرحها ، وماذا ينتظرون ؟ ولهذا تغرق المرأة في بحر متلاطم من المعضلات التي لا تنتهي ، بانتظار الحلول التي تخرجها من إطار الشعارات والعبارات الجاهزة كقولهم : (بما يتناسب مع الشريعة) ! وكأن من يطالب بحلول يدعو إلى أمر محرم في الشريعة تحريماً مبرماً !

ومن المواقف التي تتعلق بالمرأة ووقف لها الفقهاء بالمرصاد – مما يشير إلى حرصهم على الإمساك بملف المرأة والاستحواذ عليه بطريق الفتوى التي تكبل الجميع وعلى رأسهم صانع القرار – الموقف من تزويج الصغيرات ، تلك المواقف التي تحمل قدراً كبيراً من التناقض ، فما كان منها لصالح الرجل سارعوا إلى إباحته دون قيد أو شرط والحيلولة دون وضع ضوابط له ، حتى وهو يحمل في طياته إفساداً وإضراراً واستغلالاً وانتهاكاً لكرامة الصغيرة وجعلها سلعة ومتعة . ولو سألت أحد هؤلاء الممانعين ، هل تزوّج طفلتك أو حفيدتك ذات العشر سنوات لانتفضّ رافضاً ، فما يجوز لبنات الناس لايجوز لبناتهم ، وكأنهن خلقن من معدن غير معدن تلك البائسات ! وهاهو أحدهم يجأر- معتبراً أن قضية تزويج الصغيرات مفتعلة والغرض منها اتهام الشريعة – قائلاً : ” والذي يظهر لي أن المقصود من المطالبة بمنع زواج القاصرات وإبرازه إعلامياً هو تنقص الشريعة واتهامها بالظلم وعدم مناسبتها للعصر، ومحاولة إخضاع أحكام الشريعة لتوافق واقع الغرب، وإلا فإن القضية مفتعلة، فهي لا تشغل المجتمع السعودي لامِن قريب ولاِمن بعيد …”

إنه أمر يدعو للعجب ، فماذا عن القضايا التي نشرت في الصحف والدعاوى التي تقدم بها عدد من الأمهات مدعيات على أزواجهن تزويج صغيراتهن لرجال طاعنين في السن ؟ وكلها عرضت في المحاكم ونشرتها الصحف كافة (وليست من اختراع المنافقين كما يحلو له تسمية من يرفضون هذه النخاسة) ؟ فكونها قليلة لايعني نفيها ، والصمت عنها يؤدي إلى استفحالها مادام هناك آباء تستهويهم المتاجرة ببناتهم ، وكهول منحرفون يعشقون الصغيرات !

إن تقنين هذا النوع من الزيجات يفرضه اختلاف هؤلاء الصغيرات عن النساء قبل خمسين أو مائة أو ألف سنة ، كما أن العصر مختلف ، علاوة على الأضرار النفسية والصحية التي تلحق بهن ، إضافة إلى استغلالهن من قبل آبائهن واغتصاب براءتهن من قبل كهول شبقين لا يفهمون من الزواج إلا الاستمتاع بطفلة لا تفقه من أمر الزواج شيئاً ! أما الاستدلال بزواج عائشة من النبي صلى الله عليه وسلم ، فهو قياس باطل لأنه يفقد ركناً من أركانه وهو الحكم ؛ فليس هؤلاء الرجال كالرسول الذي تزوج عائشة في تلك السن لحكمة وليس لإشباع نزوة مثلهم ، وليست كل تلك الصغيرات عائشة ! كما أن قياسهم على النبي قياس انتقائي ، فهو قد تزوج السيدة خديجة وهي في الأربعين من عمرها فيما كان صلى الله عليه وسلم في الخامسة والعشرين ، فلماذا لايتزوجون الكبيرات اقتداء به ليساهموا في حل العنوسة إن كانت تشغل الشيخ ؟

إن من أسباب العنوسة في مجتمعنا عزوف هؤلاء الرجال عن الزواج بمن تجاوزن الثلاثين من العمر ، فهل ” المنافقون ” مسؤولون عن العنوسة ، أم المعدّدون من الرجال الذين يمارسون التعدد على إطلاقه وليس كما قيده القرآن إرضاءً لشهوات تتمثل منطق النار ؛ كلما امتلأت قالت هل من مزيد ؟!

إن المتاجرة بالفتيات وتسليعهن سببه هذا التراخي في تقنين تزويجهن ، وعدم محاسبة من يجبرهن على الزواج من الكهول المعدّدين انسجاما مع تلك الأصوات النشاز ، إن ذنب هؤلاء الفتيات في رقاب كل الذين يحولون دون سن قوانين تنهي هذه المهزلة ، فلقد انتحرت إحدى الفتيات منذ أيام ، بعد أسبوع واحد فقط من زفافها هرباً من حياتها مع زوجها الخمسيني بطلقات نارية على جسدها من بندقية ( عريس الغفلة ).

أما أصناف الزيجات الأخرى التي تنتهك كرامة المرأة وحقوقها فقد أبيحت دون قيد أو شرط ، إذ وافق عليها مجمع الفقه الإسلامي ، مراعاة لنزوات الرجال ، واستخدام النساء مطايا لشهواتهم التي لا تنقضي ، وقد رأينا كيف تفنن معدّ دراسة المسيار في إثبات حقوق الرجل وانتقاص حقوق المرأة مستغلاًً حاجة بعضهن الحقيقية لزواج كهذا ، مع غضّ الطرف عمّا تقود إليه تلك الزيجات من مفاسد جعلتها أقرب ما تكون إلى الدعارة المشرعنة، إذ استغلها ضعاف النفوس ، فكم من امرأة تزوجت مسياراً وجمعت بين أكثر من رجل في وقت واحد ، وكم من واحدة تزوجت مباشرة بعد طلاقها دون عدة ، وكم من رجل جمع أكثر من أربع زوجات مسياراً في وقت واحد ، بل إن أحدهم تزوج مسياراً خمسين امرأة في غضون عام واحد!، وبحسبة بسيطة يكون قد قضى مع كل واحدة سبعة أيام وثلاث ثوانٍ! وهؤلاء لن يلاموا فقد وضعوا بينهم وبين النار (مطوِّعاً.

وأما زواج الفرند فقد كان أجازه فقيه مختل استوحى اسمه مما هو شائع في الغرب من مصطلح « بوي فريند وجيرل فريند » وأفتى بشرعيته بين المسلم المغترب والمسلمة المغتربة دون إلزام الزوج بأي مسؤوليات مادية تيسيراً على المسلمين المغتربين حتى يتجنبوا الوقوع في الفحشاء ! يقيناً ليست هناك فاحشة أكبر مما أفتى به ، فهو احتيال لمتعة الرجل على حساب المرأة ، وبدلاً من أن ينصح الشاب المغترب بالبعد عمّا يشغله عن المهمة التي سافر من أجلها ، يزين له تلك الزيجات التي ستدخله في دوامة ربما لن يستطيع الخروج منها .

إنني أتساءل بكثير من العجب كيف ستكون ردة فعل هؤلاء الفقهاء فيما لو كانت تلك الزيجات من اختراع من يُطلق عليهم ليبراليون وشهوانيون ؟ وهاهو الواقع يثبت من هم الشهوانيون الذين يستغلون الدين لإباحة أمور ضررها أكثر من نفعها ، ولو كانت هذه الزيجات سليمة شرعاً وعقلاً فلماذا لم يجزها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه ؟ إنه فقه المصالح الضيقة والرؤى القاصرة التي تبيح أشياء وتحرم أشياء انطلاقا من الرغبة في إحكام السيطرة على المجتمع بأسره . مثل ذلك تحريم ممارسة البنات للرياضة في المدارس الذي أفتى به أحد أعضاء هيئة كبار العلماء بقوله : ” الذي لاأشك فيه أن ممارسة الرياضة في المدارس بالنسبة للبنات حرام ، نظراً لما تجر إليه من مفاسد لا تخفى على ذي لب ، ولا تجوز المطالبة بها فضلاً عن إقرارها ” !!!

فهل هذه الفتوى اجتهاد من الشيخ ؟ أم أنها تمثل رأي مؤسسة الإفتاء ؟ وإذا لم تكن تمثل المؤسسة فهل يجوز لأعضائها أن يفتي كل واحد منفرداً بما يريد ؟ إذن ما فائدة كونه عضواً في تلك المؤسسة ؟ لن أناقش ما أورده الشيخ من حجج في فتواه ، فكلنا يعلم ما يوجد في المدارس من قوانين صارمة لا تسمح بأي نوع من الاختلال حسب زعمه ، وكان الشيخ ابن باز سئل عن حكم الرياضة للبنات في برنامج نور على الدرب ، فقال : إذا كانت الرياضة بين البنات في محل خاص بهن ، ولايخالطهن أو يطلع عليهن أحد من الرجال ، كالمشي أو السباحة في بيت إحداهن أو مدرستهن ولا يكون فيها محظور شرعي فلا بأس بذلك …” لم الافتئات على البنات وإعطاء الأمر أكثر مما يستحق بالمسارعة إلى التحريم ؟ ألم يقل الله سبحانه : ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) !

إنّ الإصرار على منع الرياضة في مدارس البنات لا يبرر التجاوز في خطاب المنع، كما أن المبالغة في الخوف من ممارسة الرياضة على منظومة الأخلاق والقيم والدين لاتعني إلا التشكيك في قدرة الدين نفسه على صون الأخلاق وحمايتها من الانتهاك في جو بعيد كل البعد عن الشبهات وأقصد به جو مدارس البنات ، علاوة على أن أندية الرياضة الخاصة منتشرة في المدن الرئيسة منذ ما يزيد على العشرين عاماً ولم يحدث أن انحرفت النساء والفتيات بسببها ، ثم ماذا يبقى من الدين ومن منظومة القيم إذا كانت ممارسة المرأة للرياضة تشكل تهديداً وزعزعة له من النفوس والسلوك .

لايخفى على المتابع لما يروج في الساحة ، أن النية مبيتة لدى عدد من الفقهاء وكثير من المتحمسين لتشويه صورة الرجال والنساء في بلادنا ، فهم إن تركوا انحرفوا ، ولن يمنعهم من الانحراف سوى التحريم وتلك الفتاوى الغريبة وسياسة المنع ، ولاشك أن هذا مؤشر خطير يدهشني صمت المسؤولين عن عواره ، فلو كان الكلام كما يدعون لانتهكت كرامة النساء وشرفهن وأمنهن، في الأسواق والشوارع والطرقات التي يسرن فيها بصحبة السائقين حتى طلوع الفجر ، فكيف يسمح بهذا التشويه ؟

ولكن الرغبة في التنفير من الأمور المباحة التي لم يأتِ دليل قاطع بتحريمها، تجعل بعض المتشددين يخلطون الأمور خلطاً عجيباً يبرأ منه الإسلام ، فما معنى تحريم ما لم يأت به نصّ صريح ؟ ، أما تحريمه من باب توقع الشر ، فإن ذلك ينبغي تطبيقه على كل أمور حياتنا فكل شيء قابل للشر، وقديما قال أحد الفلاسفة الرومان :العزلة تحملنا على القيام بكل أنواع الشرور.

http://www.alriyadh.com/2010/06/06/article532338.html

أضف تعليقاً