أ . عالية فريد >> مشاركات


أرادوا منطِقي وأردتُ صَمتي!

29 يوليو 2016 - محرر الموقع

حسن المصطفى

البصيرة والنظرة المتأنية للأحداث ومجريات الحياة، تلك الحكمة التي لا تتوافر إلا لنزر قليل من البشر في مجتمعاتهم، تميزهم عن الآخرين بما يمتلكون من نجابة وأناة، تعصمهم عن الانزلاق في متاهات الاستعجال، أو الانسياق مع الحشود، وتكبح جماح غرائزهم، فلا تعود هي الحاكمة على العقول، بل العكس. فصاحب الحكمة مرجعيته رؤيته التي تنهل من عقل متقد وروح شفافة، تتعالى على الضغائن والأحقاد والصغائر.

1366166854أبو العلاء المعري، وفي إحدى قصائده، تحدث عن هذا النوع من ”الحكمة“، قائلا:

“خُذي رأيي، وحسبكِ ذاك منّي

على ما فيّ من عِوَجٍ وأمْتِ

وماذا يبتغي الجُلساءُ عندي

أرادوا منطِقي وأردتُ صَمتي”.

المعري في الأبيات أعلاه يرشدنا لطريقة في التعامل بين الناس حول الأفكار وحول ما يطرح من آراء، باتت اليوم مهجورة، بل ما يمارس هو عكسها تماما في السائد الأغلب.

فالناس الآن أشاحت عن سديد الرأي، وباتت تنظر إلى القائل، لا لما يصدر من كلام ومضمون الخطاب، والذي يفترض أن تزنه بميزان العقل لا الأهواء، إلا أنها راحت تعلي من شأن منطق من تحب، وتحط من شأن طرح من تكره، حتى وإن نطق الأول كلاما لا قيمة له، وتحدث الأخير علما ومعرفة؛ لأن معيار الصواب من عدمه، بات مقدار قربنا من الشخص أو بعدنا عنه، وإلى أي درجة ينتمي لنا قبائليا أو مناطقيا أو مذهبيا أو سياسيا!.

هذه النظرة كرسها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل رئيس، من خلال استحضار شخصيات مشوهة لا تمتلك علما أو معرفة، فيما تقدم بوصفها الخبيرة والعارفة في مضامير شتى، بل تطلَق عليها ألقاب كبيرة وفضفاضة مثل ”الخبير في الشؤون..“، أو ”المحلل الاستراتيجي“، أو ”الكاتب المختص في..“، وجميعها أوصاف ذات طابع تسويقي دعائي لا قيمة معرفية لها.

وأنا أقرأ في أرشيف الزميلة ”الشرق الأوسط“، عثرت على مادة تعود إلى العام 2000، تتحدث عن الراحل محمد إبراهيم مسعود، أحد أهم الشخصيات السياسية والدبلوماسية السعودية، ذات الخبرة الممتدة عمليا لأكثر من نصف قرن، منذ أيام الراحل الملك عبدالعزيز  رحمه الله ، وصولا إلى عهد الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله ، حيث قام بالعديد من المهام الخاصة والحساسة، في فترة مهمة من التاريخ الحديث للدولة السعودية، دون أن يبحث عن الظهور أو تحقيق نجومية زائلة على حساب وطنه.

مسعود، وفي قصة غاية في الدلالة، تحدث بها إلى ”الشرق الأوسط“ نجله الدبلوماسي السابق – صاحب التجربة الثرية أيضا – السيد رحاب مسعود، الذي يروي أن والده كان يرفض كتابة مذكراته لفلسفة خاصة كان يؤمن بها، رغم إلحاح أبنائه عليه، على اعتبار أن هذه المذكرات تمثل جزءا كبيرا ومهما من التاريخ السعودي. وهو يقول في هذا الجانب ”في آخر أيامه سألني عن قضية لوكربي وآخر الاوضاع فيها، وانتهزت هذه الفرصة لأقول له إن رئيس الوزراء اليمني السابق محسن العيني قد نشر مذكراته، فلماذا لا يرد على هذه المذكرات خاصة وأنه جزء منها“، فرد لي القول ”كنت دائما أقول لك إن عملي مؤتمن عليه، وأنا شخص لا أحب الكذب، إذا أردت كتابة هذه المذكرات فيجب أن أقول الصدق ولا أغير الحقائق بدون تزييف أو تغيير، وهذا يصعب جدا“.

هذا السلوك الملتزم أخلاقيا ومهنيا، تجاه الذات والآخر في آن معا، هو نتيجة تربية صارمة على قيم معينة، قوامها ”الصدق في التعامل، والاعتراف بالخطأ“، ومعرفة قيمة ”الصمت“ بوصفه دالة حكمة، لا دليل خوف أو تردد أو قلة حيلة. وهي قيم باتت اليوم لدى كثيرين لا تعني شيئا؛ لأن الهدف ليس النهوض بالتنوير في المجتمعات العربية، وإنما تحقيق مزيد من النجومية والشهرة، تقود تاليا لمكاسب مالية وشخصية، بغض النظر عن الأضرار التي من الممكن أن يحدثها هؤلاء النفر من ”المتثاقفين“ على الرأي العام، وما يسببونه من توترات بسبب خطاباتهم الرديئة.

إن الخدمة الحقيقية التي يقوم بها أي فرد منا تجاه مجتمعه ووطنه، هي أن يكون ”الوطن“ أكبر من المذهب والقبيلة والمصالح الضيقة، وأن يكون الصدق المبني على الوعي والفهم الصحيح والعميق للأحداث، هو ما يقدم إلى الجمهور العام عبر المنابر الاعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، وإلا سنكون ممثلين لا قيمة لنا في مهرجان تكاذب، سيفقد فيه المهرجون احترامهم ما أن تسدل الستائر، وتبدأ الابتسامات الماكرة!.

أضف تعليقاً